بعد 18 من توليه زمام عرش العلويين، ما زال جزء من تراب مملكة محمد السادس متنازعا عليه ومنقوص السيادة.

تطورات الأحداث في العقد الأخير الذي تلا اقتراح مشروع الحكم الذاتي من جانب المغرب، أفرز تحديات جديدة، تمثلت أساسا في بروز ما يعرف ببوليساريو الداخل، موازاة مع استمرار التهديد العسكري انطلاقا من الأراضي الجزائرية. وعلاوة على الصراع الإقليمي والتاريخي مع الجيران، برزت تحديات أمنية وعسكرية في منطقة الساحل والصحراء، بعد تحالف شبكات التهريب الدولي للمخدرات والسلاح مع تنظيمات مسلّحة تنتسب إلى شبكة القاعدة.

المياه بعد الأرض

كشفت النصوص التشريعية الجديدة التي صادقت عليها الحكومة في أحد مجالسها الحكومية الأخيرة، النقاب عن أحد الملفات السيادية المسكوت عنها في المغرب، والمتعلّقة بـ”الـحدود البحرية” للمغرب. وأكبر مستجد تضمّنته هذه النصوص، هو إدخال المياه المقابلة لسواحل الصحراء المغربية ضمن المنظومة القانونية المغربية، وذلك للمرة الأولى منذ استرجاع هذه الأقاليم منتصف السبعينيات. الخطوات التشريعية الجديدة تقع في منطقة حساسة تتميّز بتماسها مع ملفات حساسة، أولها المعارك القانونية والقضائية التي فتحها خصوم المغرب ضد المنتوجات المصدّرة انطلاقا من أقاليم الصحراء، حيث يعتبر غياب المياه المقابلة لسواحل الصحراء عن التشريعيات المغربية مدخلا ممكنا للطعن في حقّ المملكة في استغلال وتصدير ثرواتها؛ كما يرتبط الأمر بخلافات حدودية قديمة مع إسبانيا، ذات السيادة على جزر الكناري المقابلة للصحراء، وذلك بسبب قصر المسافة الفاصلة بين تلك الجزء وبين السواحل المغربية.

جبهة البوليساريو الرامية إلى انتزاع الصحراء من السيادة المغربية، سارعت إلى الخروج والاحتجاج على الخطوات التشريعية للمغرب. كل من الأمانة العامة للجبهة الانفصالية وما تصفه بـ”الحكومة الصحراوية”، اعتبرا الخطوة المغربية تصعيدية، ومشروع القانون الجديد “لاغيا وباطلا”. وذهبت الجبهة إلى اعتبار المبادرة المغربية خرقا للقانون الدولي وقرارات محكمة العدل الأوربية الأخيرة حول الاتفاقيات التجارية للمغرب مع أوربا. كما سارعت الجبهة إلى تعبئة أعضائها المستقرين في جزر الخالدات، للقيام بتحركات احتجاجية، يوظفون فيها الأطفال والشبان الذين ينتقلون إلى هذه الجزر للمشاركة في مخيمات صيفية. وفيما تراهن البوليساريو على اعتراض إسبانيا، التزمت هذه الأخيرة الصمت التام أمام الخطوة المغربية، واقتصر ردّ الفعل الوحيد على حزب محلي بجزر الخالدات، معروف بقربه من أطروحة البوليساريو.

وفي ظل استمرار غموض مستقبل العلاقات المغربية الأمريكية بعد انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية؛ سارعت وزارة الخارجية والتعاون الدولي إلى الاحتفاء باحتفاظ القانون المالي الأمريكي برسم العام 2017، بالمقتضى الذي تحقق في عهد الديمقراطي باراك أوباما، ويقضي بشمل الصحراء ببرامج الدعم المالي التي تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية للمغرب. الخارجية المغربية أصدرت قبل أيام بلاغا رسميا تشيد فيه “بالمقتضيات المتعلقة بالصحراء المغربية التي تضمنها قانون المالية برسم سنة 2017 للولايات المتحدة الأمريكية الذي اعتمده الكونغرس وصادق عليه الرئيس دونالد ترامب”، يقول بلاغ الخارجية المغربية. الخطوة التي أقدمت عليها الإدارة الأمريكية، تزكي وضعا أحدثه لأول مرة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، حيث تضمن قانون مالية 2014، التنصيص على إمكانية استعمال التمويلات الأمريكية الخاصة بالتنمية الموجهة للمغرب في أقاليم الصحراء.

الملكية جوكير المغرب

كل المعارك العديدة التي خاضها المغرب لحماية موقفه في ملف الصحراء، أبانت عن الدور الحاسم للدبلوماسية الملكية والانخراط الشخصي للمخوّل دستوريا بتدبير العلاقات الخارجية للمملكة وحماية مصالحها السيادية. شبكة العلاقات الرسمية والشخصية للقصر الملكي مع مختلف الأوساط المؤثرة في القرار الدولي، تحرّكت منذ تأكد مبادرة واشنطن إلى اقتراح آلية جديدة لمراقبة حقوق الانسان في الصحراء. وحين كانت قوات ميليشيات البوليساريو الانفصالية تتموقع قرب المعبر الحدودي “الكركرات” متم العام الماضي، كانت الدبلوماسية الملكية تفتح خطوط الاتصال المباشر مع الأمين العام للأمم المتحدة، وتستنفر أصدقاء المغرب في مواقع القرار الدولي. أحد عناصر قوة الملك ودبلوماسيته في الساحة الأمريكية، تعود إلى شبكة من العلاقات الشخصية والعائلية، خاصة تلك التي نسجها العاهل المغربي مع بعض الملكيات العربية وآل كلينتون في عهد الإدارة الديمقراطية السابقة في واشنطن.

أبانت الملكية في مختلف الأزمات الدبلوماسية، عن احتفاظها بالأوراق التي تمكنها من أداء وظيفتها الدبلوماسية وحماية وحدة المملكة، تجسّدت في تأكيد استمرار الحلف المغربي الفرنسي، رغم كل ما مرّ به من أزمات وصلت إلى درجة القطيعة المؤقتة. فيما الاختراقات الجديدة التي حقّقتها المملكة أثناء خوضها معركة الاحتفاظ بالسيادة “الحقوقية” في الصحراء، تجسدت في الموقفين الروسي والصيني، إذ لم يكن المتتبعون للشأن السياسي والدبلوماسي يتوقّعون خروج وريثة الاتحاد السوقفياتي، روسيا، للوقوف إلى جانب المغرب ضد مقترح أمريكي حول الصحراء. فروسيا تعتبر تاريخيا حليفا للجزائر وجبهة البوليساريو، ضد المغرب المحسوب على المعسكر الغربي بلغة الحرب الباردة. والزيارة التي قام بها المستشار الملكي الطيب الفاسي الفهري إلى موسكو، كشفت عن خطوط تماس جديدة للمصالح الروسية مع نظيرتها المغربية، حيث كشفت مصادر إعلامية روسية، عن كون المصالح الروسية في إفريقيا والعالم العربي، وملف الشرق الأوسط والأزمة السورية، كلها باتت تطرح فوق طاولة العلاقات المغربية الروسية.

ورغم عدم خروج حكام بيكين للتعبير عن دعم المواقف المغربية في ملف الصحراء؛ إلا أن موقف الحياد وعدم دعم خصوم المغرب في هذه المعارك كان مثيرا للانتباه. “الموقف الصيني كان دائما محايدا في ملف الصحراء، وهو موقف مرتبط بعقدة الوحدة الترابية التي تحملها الصين، وهي التي تطالب باستعادة تايوان وبعض الجزر الخاضعة لليابان”، يقول الخبير المغربي في الشؤون العسكرية والاستراتيجية عبد الرحمان مكاوي، مضيفا أن تنامي المصالح الصينية في إفريقيا يدفعها نحو موقف أكثر حيادا في الإشكالات السياسية المطروحة بين دولها.

التزام مقدس

“إن حفيد جلالة الملك المحرر محمد الخامس  ووارث سر جلالة الملك الموحد الحسن الثاني قدس الله روحيهما والمؤتمن دستوريا على وحدة المغرب ليعلن باسمه واسم جميع المواطنين أن المغرب لن يتنازل عن شبر واحد من تراب صحرائه غير القابل للتصرف أو التقسيم”، يقول محمد السادس وسط ساحة المشور بمدينة العيون خلال زيارته لها سنة 2002. كان ملف الصحراء إبانها في مرحلة من مراحل تأزمه وانسداد أفق حله بتعثر مسلسل تحديد الهوية وتلويح الجزائر بخيار تقسيم الصحراء. وكان العاهل الجديد يردد بدوره مفاهيم وزير داخلية والده القوي، إدريس البصري، من قبيل الاستفتاء التأكيدي في انتظار تبلور تصور جديد للملف. إلا أن ذات ورقة الإجماع التي وظفها الحسن الثاني في هذا الملف، ظل خليفته متمسكا بها حين قال: “أي تسوية للنزاع المفتعل حول قضية مسألة وحدتنا الترابية المصيرية، ستكون في إطار الثالوث المقدس للإجماع والسيادة والشرعية، بحيث أن أي قرار مصيري لن يكون إلا بإجماع كل المغاربة والمغربيات اعتبارا لأن السيادة، دستوريا، وفي ظل دولة الحق والقانون المغربية، ملك للأمة جمعاء ولأن المغاربة سواسية في الوطنية”.

لم تنضج باكورة تحركات وتخطيطات رجالات العهد الجديد إلا سنوات بعد ذلك، حيث “قررنا تقديم اقتراح بشأن تخويل أقاليمنا الجنوبية حكما ذاتيا، ضمن سيادة المملكة المغربية ووحدتها الوطنية والترابية، واستشرنا في ذلك الأحزاب السياسية”، يقول خطاب العرش للعام 2006، قبل أن يضيف: “وسنظل معبئين لبلورة هذه المبادرة، في إطار تشاركي وموسع وذي مصداقية. كما لن نتوانى لحظة في مد اليد إلى ذوي النيات الحسنة، وفي الدعوة الصادقة إلى تحرير المستقبل المشترك مع جيراننا”.

الكركرات.. معركة كباقي السنوات

في المحطة السنوية الأخيرة لتناول ملف الصحراء داخل الأمم المتحدة، تحوّل مشروع القرار الأمريكي حول الصحراء إلى محور لأزمة عاصفة بين أعضاء المجلس. الأزمة أدخلت الملف مرحلة تفاوض عسير بين القوى الكبرى، لكنّها كشفت خضوع البوليساريو أخيرا لمطلب الانسحاب من الكركرات الذي صدر عن الأمين العام للأمم المتحدة شهر فبراير الماضي، مع البحث عن صيغة “مشرفة” لتنفيذ هذا الانسحاب. وبعد ثلاثة أيام من المعارك الدبلوماسية الطاحنة في أروقة منظمة الأمم المتحدة، نجحت جبهة البوليساريو في تجنب قرار رسمي لمجلس الأمن الدولي ينزل بها أقسى إدانة تتلقاها الجبهة منذ انطلاق مسلسل التسوية الأممية لنزاع الصحراء.

البوليساريو وبعد المشروع الأولي الذي قدمته الولايات المتحدة الأمريكية متضمنا فقرتين قويتين تطالبانها بالانسحاب الفوري من الكركرات وتهددانها بإجراءات جديدة بعد ثلاثين يوما في حال إصرارها على عدم الانسحاب؛ بعثت رسالة رسمية إلى المجلس عبر دولة ناميبيا، تخبره فيها باستعدادها لـ”إعادة انتشار” عناصرها المسلحين، في تعبير دبلوماسي عن الانسحاب، وذلك قبل مصادقة المجلس على قراره.

القوى الكبرى داخل المجلس، وحرصا منها على ضمان الإجماع حول القرار الجديد، أمهلت الجبهة يومين، وأجلت موعد التصويت على القرار.

وقبيل موعد الجلسة، أعلن المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة، تسجيل انسحاب عناصر البوليساريو من معبر الكركرات. نهاية لم تكن لترضي المغرب الذي سارع إلى تنفيذ نداء الأمين العام للأمم المتحدة للطرفين بالانسحاب من الكركرات متم فبراير الماضي، حيث أعلن الممثل الدائم للمملكة لدى الأمم المتحدة في نيويورك، عمر هلال، أن المغرب يمهل كلا من المينورسو وإدارة حفظ السلام الأممية يومين إضافيين، للتأكد من عدم بقاء أي أثر لمسلحي البوليساريو في منطقة الكركرات.

خصوم الداخل 

تحوّل كبير وغير مسبوق شهده ملف الصحراء في السنوات الأخيرة، بعد انتقال تفاعلات المعركة الدبلوماسية بين المغرب وخصومه، من ردهات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، إلى أحياء وشوارع مدن الصحراء. فالسلطات الأمنية المغربية باتت تسمح رسميا بخروج متظاهرين حاملين لأعلام جبهة البوليساريو ومرددين لشعارات انفصالية إلى الشارع العام.

وما يُعرف إعلاميا بـ”انفصاليي الداخل”، باتوا جزءا من لعبة ذات أطراف دولية تبدأ من الجزائر لتنتهي في نيويورك وواشنطن. المسؤولون المحليون بأقاليم الصحراء، يعتبرون عام 2005 سنة ظهور هذا الفاعل الجديد في الساحة، في إشارة منهم إلى الاحداث العنيفة التي شهدتها مدينة العيون حينها. فيما يعيد النشطاء المتزعمون للطرح الانفصالي من داخل الأراضي المغربية، تاريخ نشأتهم وبروزهم إلى سنوات بعيدة، تعود إلى نهاية التسعينيات على الأقل.

الطرح الانفصالي من داخل المنظومة الحقوقية، حمل منذ بداياته ثغرات ونقاط ضعف تجسّدت في تقارير مغلوطة وقلب للحقائق ومحاولة لإظهار المغرب كقوة “محتلة” تمارس القمع والاضطهاد ضد الصحراويين، لانتزاع تعاطف وتفاعل دولي مع الطرح الانفصالي. اليوم لم يعد انفصاليو الداخل بحاجة إلى تحمّل عناء السفر إلى الجزائر أو تندوف من أجل إثارة انتباه الرأي العام الدولي. والوفود الحقوقية والسياسية والإعلامية من أعلى المستويات، باتت تتسابق على زيارة الأقاليم الجنوبية، بفعل التحركات المكثفة التي قام بها الانفصاليون ومن ورائهم دولة بترولية اسمها الجزائر.

 

المصدر

في الذكرى 18 لحكم محمد 6..ألغام الانفصال مازالت مزروعة في كثبان الصحراء المغربية
0النتيجة الإجمالية
تقييم القارئ : (0 Votes)
0.0

اترك ردك أو تعليقك

تعليق